مودة ورحمة

الاستشاري الأسري أحمد عبدالله
هما المكونان الأساسيان لأي اجتماع بين ذكر وأنثى بنص كتاب الله عز وجل في سورة الروم حيث قال " ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".- الروم21كثيرا ما لمز البعض الإسلام بأنه لم يتحدث عن الحب كرابط بين الرجل والمرأة واستشهد أولئك بنفس الآية السابقة إذ إنها تخلو من لفظ الحب.
وبنظرة فاحصة , أرى أن الله عز وجل عندما تحدث عن المودة إنما أخبرنا عن أقل مستوى من المشاعر يكن بين أي زوجين , ومن أراد أن يعلي من مرتبة المشاعر من المودة إلى الحب بكل درجاته فله ذلك ولا يمنعه أحد من ذلك.
إما إذا أخبرت الآية الكريمة عن الحب كرابط بين الزوجين , وكان هناك نماذج مجتمعية لا تشعر بهاذ الحب ولا تعيشه- وما أكثرها من نماذج – فإن وَقْعَ الآيةِ سيكون غريبا عن الواقع. إما في لفظ المودة فإنها تعبر عن أقل مراتب التعامل البشري. فالأصل في العلاقة الطبيعية بين أي اثنين أن تكون مودة , إذ ليس من المعقول أن يعادي الناس بعضهم البعض دون سبب. لهذا كان لفظ المودة من الناحية النفسية أقرب للواقع وأقرب للقلب إذ ليس هناك ما يمنع من الارتقاء بالمودة لتكون حبا وعشقا وهياما.
لكن أليس هناك من يفتقد حتى للمودة في عيشه مع الطرف الآخر؟
نعم هناك، وما تلك المطاحنات التي نراها يوميا في المحاكم الشرعية وفي بعض البيوت إلا أنموذجا من انعدام المودة بين أولئك, وهنا يأتي المكون الثاني للحياة وهو الرحمة.
لا تحتاج الرحمة لأن تكون محبا للطرف الآخر حتى تشمله رحمتك, فعندما وصف الله عبادة الذين يمشون على الأرض الجامدة قال عنهم " يمشون على الأرض هونا" فكيف سيكون الحال بالتعامل البشري بينهم؟
من الممكن أن يختلف الرجل والمرأة ويصلان إلى مرحلة يصبح العيش عسيرا للغاية, فإذا انتفت المودة تبقى الرحمة في التعامل.
فلو سادت الرحمة بين أي اثنين لتغير شكل الحياة من محاكم شرعية ونزاعات على الأبناء وهضم للحقوق المالية إلى أجواء مختلفة تماما.
انعدام الرحمة هو السبب في تحول الحب إلى كراهية شديدة, يقدح كل زوج في شخصية الآخر وأحيانا تصل إلى حد الافتراءات.
فالحياة بين أي زوجين إذا بُنِيَتْ على مودة ورحمة كأساس , استطاع كل منهما أن يبني الحب كيفما شاء وإذا زال هذا الحب لسبب أو لآخر فإن الأسس تحافظ على سير الحياة بأقل الخسائر.
وهنا تبرز على السطح قضية مهمة تتعلق بالحب قبل الزواج أين مكانه بين المودة والرحمة؟
أقول إن الحب قبل الزواج – إن كان سليما وصحيحا- فإنه سيتضاعف آلاف المرات بعد الزواج إذا أحسن الزوجان التعامل مع بعضهما من خلال هذا الحب. وبمقارنة الحب بعد تضاعفه بالمرتبة التي بدأ منها فإنه لا يزيد في بدايته عن كونه مودة بسيطة.
أما إذا تعسرت الحياة فإن الذي كان قبل الزواج حب بأساس مترهل لم يدم طويلا فوقع وانهار.
ولعل في مصطلحات بعض من مارسوا الحب قبل الزواج تأكيد على ما أقول فترى أن مصطلح الحب يتوازى معه على لسان هؤلاء مصطلح الخيانة فلو امتلك صاحب – حب قبل الزواج- رحمة في شخصه هل سيقول عن شخص كان – يحبه- في يوم من الأيام أنه خائن أو خائنة؟
الحب بناء يحب أن تكون أساساته قوية ليصمد ويثبت أمام العقبات فالله تبارك وتعالى وضع لنا أساسا وترك لنا حرية البناء وشكله وارتفاعه ومدى الاحتراف في إتقانه.