|
عراقيات
يفترشن الأرصفة بحثاً عن لقمة العيش
متابعة: رنا العزام
سجائر، كبريت، قداحات، ماكينات حلاقة، بطاريات، فازلين، هذا ما ستراه أمامهن من أشياء، وهي على بساطتها توفر لهن لقمة العيش بعيدا عن العنف الذي يتصاعد على أرض الوطن، والذي باتت الأسلاك الشائكة فيه أكثر من البشر -على حد تعبير إحداهن- تراهن بلباس أسود..وكأنهن أعلنّ الحداد على العودة إلى الوطن..تعب السنين يخط الجبين بخطوط عميقة تذكّر بعدد الطرق التي سارت عليها تلك الأقدام الموغلة في التعب..هذا هو مشهد العراقيات اللواتي يفترشن أرض العاصمة الأردنية عمان وأمامهن بسطات صغيرة يعشن من بيع مما خف حمله عليها.
سيماهن في وجوههن من أثر الحرب في العراق..عندما تنظر إليهن ترى الحرب والتشرد..ترى وطنا مفقودا وولدا مهاجرا..وقهرا متوطنا في النفوس.. عندما ذهبنا للقائهن..كنا على علم مسبق من أننا سنواجه بعض المتاعب في سبيل التحدث إلى إحداهن..ولكننا نجحنا أخيرا في التقاط بعض الكلام وهن يتحاشين النظر إلى أعيننا خوفا من دمعة قد تفر هاربة من عين إحداهن..!
البسطة مصدر رزقي
أم محمد جاءت إلى الأردن قبل ثلاث سنوات..كانت تتحدث وهي تتوجس خيفة من أن نلتقط لها صورة دون علمها..فتقول..«جئت إلى هنا وحدي دون أولادي وليس لدي أقارب هنا ..جئنا خائفين بعد حدوث الفوضى في العراق».. وعندما سألنها مالذي جعلك تجلسين خلف بسطة على الرصيف.. أجابت وهي ترتب علب السجائر على لوحة خشبية أمامها..«ماذا أفعل..أريد أن أحصل على نقود كي آكل..» وتضيف مستنكرة.. «من أين أحصل على المال؟ أنا امرأة مريضة أعاني السكري لا أستطيع العمل كخادمة في البيوت..وهذا عمل شريف أبيع السجائر فأحصل في اليوم على بضعة دراهم تسد جوعي .. لا أريد شيئا سوى الستر»..
سألناها هل تعرضت إلى مضايقات من أحد قالت :«الناس هنا بسيطون ولم أتعرض لمضايقات منهم بل إنهم يراعون ظروفنا ويعلمون كم عانينا من قهر وضيم».
هل تفكرين في العودة إلى العراق؟ أجابت:»لا» أعقبته بصمت طويل ..وأضافت «سأظل في الأردن إلى أن تهدأ العراق».
لا أفكر بالعودة
وعلى الجهة المقابلة في ذات المنطقة الشعبية الوحدات والتي تقع في المنطقة الشرقية من العاصمة الاردنية عمان..ذهبنا لنلتقي سيدة عراقية أخرى..فرأيناها وهي تقف أمام عربة خشبية وعليها أدوات مطبخ بلاستيكية..كانت تحمي بضاعتها من المطر بغطاء بلاستيكي كبير..هي أم علي سيدة أربعينية قدمت إلى الأردن منذ عام 2002 جاءت مع ابنها وابنتها الذين عادوا إلى العراق مرة أخرى .. تعيش وحدها هنا..تقول : «أعمل لدى شخص آخر يأخذ مني مجموع ما أبيعه كل يوم ويعطيني حصتي مما أبيعه..».
تضيف وهي تشد الغطاء على ناحية من نواحي العربة خوفا من أن يصيب المطر مصدر رزقها «..لم أعتد أن أبيع في شارع في العراق..لكن ماذا أفعل ؟ لا أريد أن أمد يدي لأحد أو أنتظر المساعدة..ها أنا أعتاش من هذه البسطة وأعيل والدتي التي تعيش معي هنا..لقد حل بنا الضيم جراء الحرب..وعانينا كثيرا...ولا أفكر بالعودة قبل أن تستقر أوضاع العراق».
الحرب شردت آمالنا
أما أم حسن والتي كانت تجلس على رصيف تآكل من خطوات المارة..كما تآكل جسدها من خطوات اليأس..كانت تجلس على عتبة إحدى المحال التجارية في منطقة الوحدات..عندما اقتربنا منها..كانت تظن أننا نريد شراء السجائر..لكننا أخبرناها بأننا صحفيات نود التحدث إليها.. جذبت عباءتها ووضعتها على رأسها لتعلن عن هويتها بفخر..سألناها عن حالها وأجابت بلطف «الحمدلله» ...عرفنا أنها من النجف..وبدأت بالكلام وهي تتحدث بلكنة عراقية محكمة..لم تستطع فهم كل كلمة نقولها لها إلا أننا حاولنا أن نقرّب المفاهيم لها ..تقول : «قدمت بالسيارة مع أولادي إلى الأردن منذ خمس سنوات..إلا أنهم تركوني هنا وذهبوا إلى سوريا..ومنذ ذلك الوقت لم أرهم بل يتحدثون إلي كل شهر.. وأسكن الآن في غرفة مع مجموعة من النساء العراقيات».
قلت لها هل يكفيك ما تجنيه من بيعك للسجائر؟..أجابت وهي تكرر الحمد «الحمدلله..أبيع هذه السجائر ويأخذ مني صاحب البسطة المبلغ الذي أحصل عليه..ويعطيني حصتي والتي تتراوح بين دينارين إلى دينارين ونصف..وأقوم بدفع إيجار الغرفة الذي يبلغ 50 دينارا كل شهر..وأشتري طعاما بالمبلغ الذي يتبقى لي».
هل تنتظرين مساعدة من أحد؟ «الله اللي يساعد..أنا لا أمد يدي لأحد ..كلهم زينن..وكنهم أهلنا..».
إحصاءات وأرقام
تشير الإحصاءات إلى أن الأردن يستضيف عدداً أكبر من اللاجئين العراقيين بالنسبة إلى تعداد سكانه، مقارنة بالدول الأخرى، إذ إن هناك زهاء 750 الف عراقي في الأردن، معظم هؤلاء اللاجئين انتهت صلاحية تأشيراتهم أو تصاريح الإقامة الخاصة بهم.
وإلى جانب هؤلاء النساء اللواتي يتشحن بالسواد ويفترشن الأرض على أرصفة شوارع العاصمة عمان وقد دفعن ضريبة حصار العراق والحرب عليه ليبعن البضائع العراقية المهربة كالسجائر وبعض أنواع التمور وأصنافا من الحلويات الشهيرة «كالمن والسلوى»، هناك نساء لم يقفن عند حدود هذه المهنة بل بعضهن دفعتهن قسوة الحياة والمشاكل الاجتماعية ليعملن كمضيفات في المطاعم والنوادي الليلية غير المقبولة اجتماعياً إن كان في العراق أو في الأردن.
|