|
غلاء المهور.. بين "المخلل" و"العسل" !!
خاص أقمار – رنا العزام
"خللها يا ابوها "...، "خلي العسل بجراره لتغلى
أسعارو" ..جملتان يكثر ترديدهما على ألسنة الشباب والفتيات هذه الأيام..ففي
حين يحتج الشباب على غلاء المهور الفاحش وكثرة طلبات العروس ووالدها.. غالبا ما
يجدون الجملة الثانية جوابا لهم، فـ "اللي معوش بلزموش".! غلاء المهور،
مشكلة يواجهها أغلب شبابنا في أيامنا هذه، فرغبة الشباب بالزواج تتوقف بمجرد سماع الشروط
التي يمليها عليه أهل العروس أو العروس نفسها، فبعد أن كان الزواج من أيسر الأمور عند
المسلمين صار من أصعبها وأكثرها مشقة حتى أصبحت مسألة المهر تجارة مربحة لدى الكثيرين
والمرأة إلى سلعة غالية والرجل إلى صيد ثمين، فيطالب الآباء بأسعار خيالية مقابل تزويج
بناتهم، والأنكى من ذلك عندما يقال إن المهر يعبر عن عادات عريقة تعكس احترام الطرف
الآخر أمام ألسن الناس, فالجارة الفلانية للعروس ستبدأ بتحريك اللسان ونشر قيمة المهر
المطلوب, وهذا هام جدا من أجل حفظ سمعة عائلة العروس, ويرفع من قدرها عين الحما والحماة
!، أو أن المهر -كما يعتقد البعض- حماية لبناتهم
من غدر الرجال وظلمهم وطغيانهم. ولكن الغاية من المهر عكس ذلك تماما، فقد أراد
الله تعالى أن يكون المهر هدية رمزية يقدمها
الرجل إلى زوجته كعربون لمحبته ووفائه وإخلاصه، لا تعبر عن قيمة المرأة بتاتا.
الأبناء من يدفعون الثمن
لا يخفى على كثير منا أن المغالاة في المهور يؤدي إلى نتائج وخيمة على
الأسرة والمجتمع، ويدفع ثمنها الأبناء من حيث عزوفهم عن الزواج وتفشي ظاهرة
العنوسة وما يترتب عليها من عواقب أخلاقية وإصابة كثير من الشباب والبنات بأمراض نفسية
وعضوية بسبب هذه الظاهرة المميتة في بلادنا. ففي دراسة لظاهرة العنوسة في بعض الدول
العربية يؤكد أصحابهاعلى مدى تأثير الجانب الاقتصادي في انتشار الظاهرة، حيث كانت نسبة
العنوسة في الإمارات 68%، و26% في السعودية وقطر. ونسبتها كانت في العراق 85% ممن بلغن
سنة الزواج وتجاوزن عمر 35 سنة، وتقول الدراسات إن 50% من الشباب السوري أعزب و60%
من الفتيات السوريات عازبات أما مصر فيبلغ عدد العوانس في مصر 6.5 مليون، ممن تجاوزت
أعمارهن 35 عاما وثلث سكان الجزائر عوانس وعزاب ممن بلغوا سن الزواج وتجاوزها و نسبة
العزاب 20% في كلٍّ من السودان والصومال وفي الأردن 5% .
يمن المرأة خفة مهرها
في هذا الصدد، يقول الشيخ عبد الله بن حميد إن على أولياء البنات أن يختاروا
لبناتهم الرجل الكفء من غير أن ينظروا إلى ثروته. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إذا
جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه.إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)). فالحديث
يدل على أن الرجل إذا عرف بالأمانة والتقى, فعلى الولي أن يزوجه ابنته ولو بأقل شيء.
وفي الحديث: ((خير النساء أيسرهن مهورًا)). وقوله صلى الله عليه وسلم " يمن المرأة خفة مهرها ويسر نكاحها وحسن خلقها
وشؤمها غلاء مهرها وعسر نكاحها وسوء خلقها " . فأي مصلحة في غلاء المهر؟ فإن النساء شقائق الرجال, فكما أن الرجل محتاج
إلى المرأة, كذلك المرأة محتاجة إلى الرجل, فغلاء المهر لم يرد في الشريعة, ولم يؤيده
عقل، والرجل متى زوج ابنته أو أخته أما علم أنها عورة سترت ومؤونة كفيت، فغلاء المهور
لم تأت به الشريعة ويجب على المسلمين ترك الغلاء والتساهل في المهور وهو أن المتزوج
يدفع ما تيسر, وولي البنت يقبله ويزوج ابنته على الشاب الكفء التقي.
حياة زوجية خالية من الديون
في هذا السياق يؤكد سهيل أبو الشامات اختصاصي علم الاجتماع بحسب جريدة
الغد الأردنية، أن الأبعاد الاقتصادية للزواج تفرض على كاهل الشاب عبئا لم يكن معتادا
عليه، مبينا أنه لا بد من التخطيط ماليا لهذه الخطوة لضمان حياة أفضل. ورغم أهمية الحفاظ
على العادات والتقاليد، يدعو أبو الشامات إلى تجاوز المظاهر الاجتماعية الكمالية التي
ترهق ميزانية الشاب قبل انشغاله بمصاريف الحياة الزوجية. ويشدد أبو الشامات على دور
الجمعيات التي ترعي حفلات الزواج الجماعي من خلال تخفيف الأعباء المادية عن المقبلين
على الزواج، ما يساعدهم على بناء حياة زوجية
خالية من الديون.
الحل بأيدي الأسر
أما فيما يتعلق بالحلول المقترحة للحد من غلاء المهور، فهي تتمثل في اضطلاع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة
والمقروءة للقيام بدورها في توعية الناس بمخاطر الظاهرة الشباب والأسرة والمجتمع وما
تفرزه من مخاطر عزوف الأبناء عن الزواج من عواقب لا تحمد ..ولابد أن يتفهم الآباء
وأولياء الأمور معاناة الشباب وأن يقوموا بدورهم في التخفيف من شروطهم المادية، وتمثل
القدوة الحسنة من قبل الأسر بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في تيسير الزواج
وتقليل التكاليف والأعباء.
أخيرا،علينا ألا ننسى بأن المشاعر الحقيقية لاتشترى بالمال ولا تقدر
بثمن، لأن استمرار الحياة الزوجية هو بالحب والتفاهم، والمرأة لا تشعر بقيمتها بكثرة
الذهب و المال, بل بالمحبة والعشرة الطيبة من زوجها.
|