|
النكد الزوجي..قاتل صامت للسعادة الزوجية

صمت دائم، وابتسامة مفقودة، وكآبة تلقي بظلالها على كثير من بيوتنا، لتنزع منه روح التواصل والسعادة بين أفراد الأسرة.. النكد هو تمامًا كالحرب النفسية، سببه الفراغ أو سطحية التفكير عند من يختلقه أو لتربية خاطئة خضع لها منذ الصغر، أو محاولة لجذب انتباه الآخر كانتقام منه على تجاهله لشريكه في الحياة مثلا.
يعتبر النكد العدو الأول للحياة الزوجية السعيدة، ورغم أنه ما من زوج أو زوجة إلا ويفر من النكد، إلا أنه واقع تئن من وطأته كثير من الأسر ربما لأنه كالنار يبدأ من مستصغر الشرر. ويتطلب تحقيق السعادة الزوجية الاحترام المتبادل ومراعاة مشاعر الطرف الآخر، لذلك يجب على كل زوجين في بداية حياتهما الزوجية الاتفاق على مجموعة من القواعد تكتب في شكل وثيقة أو اتفاق، وذلك يحترم كل شريك شريكه ويشعر بقيمته. وليكن هناك نوع من الجزاء للمخالف مثل الخصام أو الاعتذار لمن اخطأ في حق الآخر، لكن في النهاية وجود التسامح ضروري لاستمرار الحياة الزوجية.
الزوجة..المتهم الأول في النكد
ارتبط مصطلح الزوجة بالنكدية في معظم المجتمعات العربية، على الرغم من أن الزوجة النكدية قد تكون امرأة طيبة محبة لزوجها وأسرتها، فتعتقد أن من حقها استجواب زوجها متى ما ترغب دون تقدير لما يسببه ذلك من إزعاج للزوج، وعند امتناع الزوج عن الإجابة تشتعل النار ويتحول بيتهم إلى جحيم.
خبراء النفس: الشخصية النكدية هي شخصية اكتئابية
يصف خبراء النفس أن الشخصية النكدية هي شخصية اكتئابية بالدرجة الأولى، وقد أرجع بعض خبراء النفس إلى أن هذا الاضطراب الذي يصيب بعض السيدات عن غيرهن قد يظهر لدى وجود استعداد وراثي لذلك ويسيطر على أصحاب هذه الشخصية الشعور بالحزن والكآبة.
وفي هذا السياق يصف الدكتور هشام حتاتة استشاري الطب النفسي - جامعة عين شمس - الزوجة النكدية بأنها شخصية كثيرة الشكوى ، تحب أن تشعر بأنها "مظلومة" وهذا يفسر تصرفاتها مع زوجها عندما تقوم بتجميع الأحداث اليومية السلبية سواء كانت في الماضي أو الحاضر في أي زمان ومكان لتؤكد لنفسها ولمن حولها بأنها الضحية المظلومة، الأمر الذي يسبب استياء الزوج من زوجته وهروبه من بيت الزوجية، وتدريجياً يغيب مفهوم الزواج أو"السكن" نظراً لغياب السكينة والراحة عن الأجواء.
وقسم الدكتور حتاتة المرأة النكدية إلى نوعين :
1- شخصية كثيرة الشكوى بطبيعتها : هذه المرأة يكون النكد والشكوى أحد طبائعها قبل الزواج ويطلق عليها خبراء علم النفس "شخصية كثيرة الشكوى" ، تتسم بالحساسية الشديدة ، وخلال جميع المراحل العمرية تحاول جذب الانتباه إليها ، بعد الزواج لا تجيد مواجهة المشاكل فتجدها شاكية باكية ، تبحث عن أي شيء يشعرها بالاهتمام من جانب زوجها ، ويصعب على الرجل اكتشاف هذه الطبيعة بفترة الخطوبة.
2-نكدية بعد الزواج : هذه المرأة تتغير شخصيتها الطبيعية وتتحول بعد الزواج ، لذا تحتاج إلى البحث عن سبب هذا التغير ، ويرجع د. حتاتة السبب إلى أنه قد يكون هناك خلل أو انعدام في العلاقة الزوجية العاطفية أو وجود مشاكل نفسية لا تظهر إلا في صورة نكد ، أو نتيجة مشاكل معنوية أو مادية ، ومعظم هذه الأسباب يكون للرجل دور رئيسي فيها.
اتهام باطل
ومن جانبها رفضت مديرة الخدمات الاجتماعية ببرنامج الأمان السري الوطني الدكتورة نورة الصويان التعميم على الزوجة الشرقية أو العربية بشكل عام أنها زوجة نكدية، معتبرة أن ذلك فيه ظلم لكثير من النساء.
وأضافت الصويان في حديثها لـ"سبق": "المراحل الأولى من أي زواج يكون فيه كثير من المشاكل، لكن الحقيقة أن المرأة ميالة بطبيعتها لحل الخلافات وتحسين العلاقة مع زوجها".
ولكن لكل مجتمع ظروفه الخاصة التي لا تتطابق مع أي مجتمع آخر، هذا ما تؤكده د.الصويان بقولها: "المرأة في مجتمعنا دائماً ما تربى على أن حياتها ملك لزوجها وأطفالها، فاهتمامها يكون محصوراً في زوجها خاصة في بداية حياتها الزوجية".
وأكدت في الوقت ذاته أن المرأة إذا ما شعرت أنها لا تحقق ذاتها في شيء معين، ربما تختلق المشاكل كنوع من التعويض، قائلة "لذا من الممكن أن تسعى المرأة في هذه الحالة لأن يكون لها طموح أو من الممكن أن تشغل بعضاً من وقتها في العمل التطوعي".
وأكدت في الوقت ذاته أن الحياة الزوجية قد تتحول إلى ما يشبه بحوار الطرشان في حال فقدان الزوج والزوجة لمهارات التواصل والحديث، مشددة في الوقت ذاته على أن يستمع الطرفان بعضهما لبعض.
وقالت" المرأة تميل دوماً للحديث؛ لأنها في حاجة إلى من يسمع لها، ولكن الرجل يميل إلى تقديم حلول وهو ما يبدو للزوجة عدم اهتمام بحديثها"، مطالبة الأزواج باحتواء زوجاتهم والاستماع لما يضايقهن وهو ما ستقدره الزوجة لاحقاً.
كما أكدت الصويان على ضرورة أن تفهم كل زوجة ذاتها، مشيرة إلى أن العصبية الزائدة تؤدي إلى شيء أكبر من ذلك، وربما تؤدي إلى عدم إحساس بالأمان.
الرجال يجلبون النكد أيضا!
على الرغم من أن البعض يتهم الزوجات بأنهن "نكديات" بطبيعتهن، إلا أننا لا نستطيع غض الطرف عن الزوج لأنه أحياناً يقوم ببعض التصرفات التي تجلب النكد للزوجة ولأهل البيت أيضاً، كأن يصر على عدم ذهاب زوجته لأهلها أو يضيق بأمها وأسرتها وقد ينتقد زوجته وشكلها وتصرفاتها، وقد يفضل السهر بعيداً عن المنزل ولا يهتم بشؤون أسرته. وغير ذلك من السلوكيات التي ترفضها الزوجة وتضطرها لمقابلة النكد بنكد مثله وهو ما يزيد الأمور اشتعالاً، فهناك من الرجال من لا هم لهم سوى نقد زوجاتهم ونقد أساليب حياتهن وأكلهن بحيث تشعر المرأة أنها غير مرغوب فيها في المنزل أصلا، رغم أنه هو الذي يفتعل النكد أحيانا كثيرة، ويصبح أحيانا مثل الطفل غير قادر على فعل شيء لو تركته زوجته وحده بضع ساعات أو أيام، ويفشل ربما في تجهيز كوب من الشاي لنفسه.
من المسؤول؟
وعن الطرف المسؤول عن افتعال النكد ، أشارت دراسة سابقة للمركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية ، شملت 1000 زوجة إلى أن 73% منهن يرجعن سبب نكدهن في المنزل إلى "تكشيرة" الزوج، التي تضفي جواً من الكآبة على كافة أفراد الأسرة ، وأكدت 12% منهن أن جو المرح في الأسرة يعتمد على الزوجين معاً، بينما اعتبرت 6% منهن فقط يعتبرن أن الزوجة هي المسؤولة الأولى عن الحالة المزاجية لأفراد أسرتها، وذلك لقدرتها ودورها في معالجة المشاكل اليومية بذكاء ودراية أكثر من الرجل.
حرب نفسية في المنزل
تصف الدكتورة. "هيرفون" في كتابها (النكد الزوجي) مسألة "النكد" بأنه: "التعكير الدائم لصفو الآخر، وهو تماماً كالحرب النفسية، وتُرجِع سببَه إلى الفراغ أو سطحية التفكير عند من يختلقه أو إلى تربية خاطئة خضع لها منذ الصغر، أو محاولة لجذب انتباه الآخر كانتقام منه على تجاهله لشريكه في الحياة مثلا".
وفي المقابل يؤكد الأستاذ أكرم رضا.- الباحث في العلاقات الزوجية والأسرية- أن نكد الزوجات أبقى وأقوى وأشد ضراوة، فمن الزوجات من يختلقن النكد وتحول حياة زوجها إلى جحيم بسبب الشكوى المستمرة من كل شيء، فمن سوء الأحوال المادية إلى مشكلات الأولاد إلى إهمال الزوج لشؤون بيته إلى أمه التي تحشر أنفها في شؤونهم، وبدلاً من أن يَفتح الزوج الباب ويجد ابتسامة مشرقة ويداً حانية وصوتاً رقيقاً؛ يجد وابلاً من الأخبار السيئة ومشكلات الأولاد والجيران والأقارب!
الطعام سبب النكد!
بالإضافة إلى إهمال بعض الزوجات في إعداد الأطعمة المنزلية الشهية الصحية التي يرغب فيها الزوج، هناك عادات أخرى في طهي الطعام أو إعداده يكون لها تأثير بسبب ما تحتويه من مواد كيماوية وأحماض وخلافه مما يؤدي في النهاية إلى سوء التغذية الذي هو من العوامل المهمة التي تؤثر عمومًا على سلوك الفرد.
فمثلا نقص السكر بالدم يؤدي للتوتر والعصبية وأيضًا زيادة نسبته تؤثر سلبيًّا، والمنبهات الكثيرة وكثرة المعجنات كلها تؤثر سلبيًّا على السلوك، والاعتماد على المعلبات المحفوظة يقلل من مستويات فيتامين سي الذي لا بد من تواجده للهدوء النفسي وأيضا لتدعيم امتصاص الحديد في الجسم، حيث يؤدي نقص الحديد إلى عدم التركيز وقلة القدرة على الاستيعاب.
النكد الزوجي …يؤثر على الأوعية!!
أثبتت الدراسات أن هناك علاقة مباشرة بين الحياة الزوجية وصحة الأوعية الدموية.
وأثبتت واحدة من أحدث الدراسات، التي أجريت على مدى ثلاثة أعوام عن الحالة الصحية لعدد من الرجال والسيدات الذين يعانون من تفاوت في ضغط الدم، أن هناك ارتباطا مباشرا بين ضغط الدم والعلاقة الزوجية، خاصة بالنسبة لمدى تعاون الزوجين فيما بينهما.
وينصح الدكتور بريان بيكر، المتخصص في علم النفس، والذي أشرف على الأبحاث بالابتعاد عن شريك الحياة طالما كانت الحياة الزوجية غير سعيدة، لأن حدوث احتكاك بين الزوجين سيؤدي للإصابة بارتفاع في ضغط الدم, في حين أن العكس يحدث تماما في الحياة الزوجية السعيدة. وفي حالة الأزواج الذين يتمتعون بحياة زوجية سعيدة, يكون جدار القلب أقل سمكا من جدار القلب لدى الأزواج الذين لا ينعمون بحياة زوجية سعيدة.
في دراسة للباحثة السويدية كريستينا أورس جومير نشرتها مجلة الجمعية الطبية الأمريكية أكدت النتائج أن المشاكل الزوجية وما يتولد عنها من نكد أسري تضر بقلوب السيدات خاصة اللاتي يعانين من مشاكل الشريان التاجي أكثر مما ينتج عن ارهاق العمل..
وبالمقابل أفادت دراسة مصرية حديثة بأن النكد الزوجي يقوي قلب المرأة، لفتت الدراسة إلى أن الزوجات اللاتي يتنازعن مع أزواجهن يحمين أنفسهن من أمراض القلب، وغيرها من الأمراض التي تسبب الوفاة، بخلاف الزوجات اللاتي يلتزمن الصمت في الخلافات مع أزواجهن.
وصفة سحرية لعلاج النكد
وبعيدا عن الاتهامات وإلقاء كل من الطرفين اللوم على الآخر، يجب على كل من الزوجين في حالة احتدام الخلاف وتصاعده أن يتوصلا إلى حل وسط؛وذلك بالمناقشة الهادئة والتعرف على أسباب الخلاف و محاولة تجنبها من كلا الطرفين، فإن تراكم مشاعر الغضب بين الزوجين وغياب البوح.. يؤدي إلى تآكل الأحاسيس الطيبة ويقلل من رصيد الذكريات الزوجية الحلوة.
لذا على الزوجين أن يرفعا شكواهما لبعضهما أولا بأول بكلمات واضحة وصوت مسموع ونبرة ودودة، ومن المهم فتح حوار بين الطرفين حول احتياجات كل طرف من الآخر بلا حياء، والعناد هو أكثر الطرق فاعلية لإشاعة النكد في المنزل، واستمرار الزوجين في العناد معناه عدم النضج. وأخيرا فإن العلاقة الزوجية الصحية لا تقبل بدور "الضحية"، فيجب ألا يكون أحد الأطراف دائم الإصرار على رأيه، ولا أن يكون الطرف الآخر دائما متنازلا عن أفكاره، وذلك لتسود المحبة والمودة البيوت.
|