|
المدرسات...الأقصر عمرا بين النساء !
خاص أقمار- رنا العزام
تعتبر مهنة التدريس المهنة الأكثر انتشارا في أوساط السيدات العاملات، فعدا أن هذه الوظيفة إنسانية تقوم على تربية وتعليم بناة المستقبل، فإنها أيضا تلائم نظرة المجتمع للمرأة العاملة، وتلقى استحسانا عند أغلبية الأهل والأزواج لأسباب معروفة. ولكن هل تساءل أحدنا عن مدى الجهد الذي تبذله المرأة المدرسة، وما تعانيه من مشاكل صحية ونفسية، وربما اجتماعية؟!
الوقوف لمدة طويلة..يسبب مشكلات صحية
أثبتت الدراسات الحديثة أن وقوف المدرسات لمدة طويلة قد يعرضهن للكثير من المشكلات الصحية، وتظهر تلك الآثار علىهيئة اضطراب مسار الدورة الدموية في الجزء السفلي من الجسم كما أن تلك المشكلاتتسبب آلاما بدنية وتعد إنذارا باحتمال التعرض لأمراض أخطرها أمراض القلب.
وبماأن الجسم يعتمد على القدمين في الكثير من الأعمال فإن إصابتهما بأي مكروه ينعكس ذلكسلبا على أداء الكثير من الوظائف الحياتية، وتلاحظ المرأة أن كل حركة يقوم بها تعنيألما مبرحا ومعاناة شديدة.
ونظرا لكثرة استخدامها في تحريك الجسم والتنقل إلىجانب انتعال أحذية قد لا تتوافق في كثير من الأحيان مع المعايير والمواصفات الطبيةالمنصوح بها، تصاب القدمان بمشكلات عديدة يمكن أن تتحول إلى إصابات تلحق بالأوردةوالشرايين في الجزء السفلي من الجسم وقد تنتقل على شكل أمراض ومشكلات إلىالساقين. وكثير من المدرسات تعاني هذه المشاكل.. والتي لن تؤثر عليها فقط بل على سير حياتها بشكل كامل، هذا بالإضافة إلى الصداع الذي تتعرض له المدرسة بشكل كبير.
ويقول الأطباء إن ما تعانيه المرأة المدرسة الحامل من الإرهاق والضغوط النفسية سيكون مضاعفا، حيث يسيطر على المرأة الحامل الشعور بالتعب والإجهاد أثناء فترة الحمل وخاصة أثناء الثلاثة أشهرالأولى والأخيرة.
والسبب في ذلك أن الجسم يفرز هرمونات جديدة ويحدثبالجسم تغيرات عديدة تعد الجسم للعمل الشاق (تكوين الجنين)، فخلال فترة الحمل الأولى, ينتج كمية أكبر من هرمون "بروجيستيرون"، وهذا يجعل الجسد مرهقاً ويزيد الرغبة في النوم بالإضافة إلى أنالجسم ينتج كمية أكبر من الدم ليحمل المواد الغذائية للجنين. وهذا يسبب عملا أكثرللقلب وباقي الأعضاء.
كما أن الجسم تتغير فيه الطريقة التي يعالج بهاالأطعمة والمواد الغذائية كل هذا التغيير مجهد لجسد الأم المدرسة ويؤدي إلى الشعوربالإرهاق.
كذلك التغيرات الجسدية والنفسية تكون مجهدة للجسم، ثم تأتيالمرحلة الأخيرة من الحمل، فزيادة حجم الطفل يزيد من الإرهاق والتعب بالإضافة إلى بعضالتغيرات الأخرى.
الحصاد النفسي للمدرّسة
أما فيما يتعلق بالصحة النفسية للمدرسات، فإن مهنة التدريس تلقي بظلالها على نفسية المرأة وتعرضها للكثير من الضغوط النفسية، وفي هذا الصدد يقول الدكتور حسام عزب أستاذ الصحة النفسية :
إن عمل المرأة احد أهم المؤثرات المباشرة على شخصيتها ويحدث لدى المرأة ما يسمى بصراع الأدوار، تعيش حالة من الصراع بين كونها ربة منزل وعضو عامل خارجه, وبين كونها أما و زوجة مسؤولة في الداخل والخارج. وإننسبة كبيرة من العاملات في التدريس يعانين من التوتر والقلق الناجمين عن المسؤوليات الكبيرةالملقاة على عاتقهن، والموزعة بين المنزل والأولاد والعمل؛ لذا فإن بعض الإحصاءاتذكرت أن 76% من نسبة الأدوية المهدئة تصرف للنساء العاملات.
وتقول د ليلى الجاسم ( دكتورة في السلوك الاجتماعي والتوعية الصحية) إن الدراسات والبحوث أوضحت مدى ارتباط الإصابة بأمراض القلب والشرايين مع الضغوط النفسية، حيث إن الضغوط النفسية تؤدي إلى تفاعل داخلي في الجسم الذي بدوره يؤدي إلى إفراز هرمونات الغدة الكظرية ( هرمونات الإدرنالين والنور أدرينالين ) وهرمونات الأستتيرويد في الدم والبول ، وكذلك يتأثر جهاز المقاومة في الجسم وذلك يؤدي إلى سلبيات على الصحة .
إن تعامل المدرسة مع الطالبات أو الطلاب والذي تتنوع فيهم الشخصيات قد يجلب التوتر والمشادات – أحياناً-يؤثر في نفسيتها وسلوكها، فيترك بصمات وآثاراً على تصرفاتها، فيفقدها الكثير منهدوئها واتزانها، ومن ثم يؤثر بطريق مباشر في أطفالها وزوجها وأسرتها.
وقد تضطر المدرسات أحيانا وخاصة في بداية مشوارها المهني إلى القبول بوظيفة في إحدى القرى النائية والتي قد تبعد عنها عشرات الكيلومترات من أجل لقمة العيش وهذا يدفعهن للاستيقاظ باكرا والبحث عن وسيلة نقل مناسبة، وهذا سيترك بالطبع بصمة سيئة في نفسيتها نتيجة بعدها عن أهلها وأسرتها، هذا عدا عن المواصلات التي تستقلها المدرسات والتي تكون في أغلب الأحيان متعبة وتؤثر في نفسيتها وصحتها.
نريدها مدرّسة ..!!
لا يخفى على كثير من الناس أن الشباب المقبلين على الزواج دائمي البحث عن المرأة المدرسة وذلك للامتيازات التي تحصل عليها، مثل الأجور العالية وخاصة في دول الخليج العربي، فينظر إلى المدرسة أنها مصدر جيد للدخل خصوصا للشباب الكسول، ومطمعا للكثيرين الذين يلهثون وراء المال، ولكن ما هي الآثار التي تتركها هذه النظرة من الخاطب وأهله في نفسية المرأة!
من المؤكد أن الفتاة ستنظر لزوج المستقبل الذي جاء خاطبا الوظيفة وليس الفتاة ذاتها، أنه طامع بها- وبالطبع إن هذا الأمر لا ينطبق على الجميع- ولكنه جاء نتيجة فقدان ثقتها بالكثير من الخاطبين، فيسيطر هذا التفكير عليها وقد ترى أن العنوسة أفضل خوفا من الاستغلال.
التقاعد والتقدير الاجتماعي
يعتبر التقاعد عند البعض نهاية الحياة، قد يكون عند البعض الآخر بداية حياة جديدة، وفرصة لاكتشاف الذات، والجلوس مع النفس وتقييم إمكاناتها، بعد سنوات طويلة من العمل ومعاركة الحياة. وقد تتفرغ المدرسة بعد التقاعد إلى حياتها الخاصة، وممارسة أوجه الحياة التي كانت زحمة العمل تعيقها عنها، فتتكشف فيها مهارات جديدة قد تتفرغ لها، كالميل للكتابة وإفادة الآخرين من واقع تجربته الطويلة، ووضع خبراتها بين يدي الأجيال القادمة، أو تقديم هذه الخبرات عن طريق المحاضرات والاستشارات، أو الميل إلى مجالات الخدمات التطوعية المجتمعية، أو الترفيه عن النفس واكتشاف آفاق جديدة في الحياة والثقافات والأمم والشعوب، عن طريق السفر والاطلاع والقراءة.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ونترك إجابته لكم، هل بَعد هذا المشوار الطويل للمرأة المدرسة ستعطى التقدير الذي تستحق من المجتمع، وهل سينظر الزوج لزوجته بأنها مربية أجيال وجب تقديرها وإعطائها المكانة التي تستحق طاقة، أم أنها طاقة قد استهلكت فوجب البحث عن أخرى ؟
بعد مضي سنوات من العمل في سلك التدريس، وحين تُسأل إحداهن: كيف هي مهنة التدريس بالنسبة لك –تقول- إنها مهنة تقصّر العمر!
فهل المدرسات هن الأقصر عمرا بين النساء ؟!
|