خاص أقمار- رنا العزام
الكذب..عملة ذات وجه واحد مظلم..صاحبها الخاسر دائما..لا أحد يستسيغ طعمه المر وإن كنا نلجأ إليه أحيانا..ولكن الحقيقة تبقى أحلى.. هذا بين الأفراد فكيف إن كانت بين اثنين يتشاركان كل شيء..وهما الأزواج..حيث يبقى الصدق هو العامل الأهم لضمان الثقة بينهما.
إن أكاذيب من العيار الثقيل يمكن لها أن تطيح ببيوت الزوجية .. وتسقط جدرانها على أهلها، وعلى الرغم من ذلك نرى أن معظم الأزواج يغضون الطرف عنمثل هذه السلوكيات المشينة، ويدارون سقطاتهم وعدم الإيفاء بوعودهم بإطلاق بالوناتمحملة بالأكاذيب.
الكذب هو الكذب وعلى الرغم مما يتشدق به البعض حين يرى بأنهلا ضير من إطلاق بالونات الكذب بألوان رمادية وبيضاء لكي يستطيع النجاة بنفسه منمطبٍ أو إنقاذ روحه من حرجٍ ما؛ إلا أن الكذب في المعادلات الحسابية لا يساوي إلاالكذب، وأنه بلون واحد أسود قاتم.
الصدق المطلق قد يضر الأزواج!
من جهة أخرى أجرت جامعة كاليفورنيا الأمريكية دراسة حديثة أكدت أن الصدق بمعناه المطلق قد يضر أكثر مما يفيد بين الأزواج، وإن هناك صدقًا قبيحًا أو مدمرًا، على حد قول "سيزو كنيث" المشرف على هذه الدراسة، من شأنه أن يؤدي إلى انهيار الحياة الزوجية، حيث يكون الشرارة التي تنسف ذلك الرباط القوي حتى ولو كانت بداية الحوار الصادق مجرد سؤال بريء أو مزحة عابرة، وإن كان هناك في الجانب الآخر كما تقول الدراسة مواقف وحالات محددة بين الزوجين لا ينفع فيها الكذب الأبيض مثل الأزمات المالية والصحية.
ما الذي يدفع الأزواج للكذب؟
ولكن هل يوجد سبب يدفع الشريكان للكذب على بعضهما؟ وهل يتقبل الطرف الآخر الكذب وإن كانت النية حسنة؟
تقول (م.د) مطلقة في الأربعين عمرها..تتحدث عن أن سبب طلاقها من زوجها كانت كذبه المتكرر والمتتالي..فقد كان يكذب بشأن تواجده في مكان ما والأشخاص الذين قابلهم في يومه..إلى أن اكتشفت خيانته..فقد كان يقول إن لديه عملا إضافيا وفي الحقيقة هو يقابل أخرى!
وعندما يكتشف أحد الزوجين كذب الآخر لا يكون اكتشافه بسبب تفوق ذكائه، ولكن الظروف دائمًا ما تكون مسؤولة عن كشف الحقائق، وعادة ما يكون الطرف الذي يشك في كلام الآخر باستمرار هو الطرف الأكثر كذبًا، وعمومًا يمكن التسامح إذا كان الكذب في أمور بسيطة وإذا كان هناك أساس قوي من المودة، أما إذا غاب الحب وكانت العلاقة الزوجية متصدعة من الأساس فإنه في تلك الأجواء يمكن أن يؤدي الكذب إلى حدوث الانفصال؛ لأنه يسبب حالة من فقد الثقة بين الطرفين.
ولكن (ر.و) 36 عاما محامية لا تتفق مع هذا القول..بدعوى أن الرجل الشرقي قليلاً ما يلجأ للكذب على زوجته؛ نظرًا لاعتزازه بنفسه، ولأنه لا يهاب زوجته وقليلاً ما يضع خاطرها في الاعتبار، أما المواقف القليلة التي يضطر فيها للكذب، فهي غالبًا تتعلق بمشكلة بين الزوجة وأهل الزوج فلأن الرجل دائمًا منحاز إلى أهله، ولأن الزوجة لا بد أن تكون مخطئة فإن عليه أن يكذب حتى يصل إلى هذه النتيجة.
وتوضح (ك.ل) ربة منزل 27 عاما أنها لا تكذب على زوجها ولكنها تخفي بعض الأمور التي من شأنها أن تزعزع استقرار بيتها وتسبب مشكلات لا داعي لها..وتشير إلى أن كذب الزوجة غالبا ما يتعلق بالمسائل المادية حيث تقول " أخفي عن زوجي الأرقام الحقيقية للملابس التي أشتريها وذلك خوفا من إثارة غضبه وحفاظا على هدوئه وحتى لا يتهمني بأنني مسرفة.."
أما (و.م) موظف 32 عاما..يرى بأن" الكذب عادة ذميمة لا لون له ولا مسوغ.. وقد تنشأ هذه العادة لدى الإنسان منذ الصغر فلا يجد الطفل مربيا يزجره إن هو فعلها فتكبر معه إلى أن يجد نفسه يكذب في كل شيء، مع زوجته وأطفاله وحتى مع نفسه".
ويوضح بأن الصدق هو أساس جميع علاقاته وهو الباعث الأول للثقة..ولقد اعتاد أن يصارح زوجته في جميع الأمور التي تعترضه وكذا هي، وهذا هو سبب سعادة الأسرة كما يقول.
وهذا ما يؤكده (ص.ا) حيث يوضح أن الكذب الأبيض ربما يضفي لمسة سحرية على علاقته بزوجته حيث يبالغ أحيانا في مدحها والإطراء عليها.."هي تعرف بأنني أبالغ في إطرائي أحيانا لكنها سعيدة بهذا..أظن أن هذا الكذب مفيد..إن جاز تسميته كذبا!"
ويوضح (س. ف) طالب 22 عاما أن كذب الزوجة على زوجها يكون نادرا لأنها تخاف من العواقب الوخيمة إن اكتشف الزوج الحقيقة، في حين أن كذب الزوج الشرقي إلى أسباب متعددة أهمها شعوره الدائم بعدم تصديق زوجته له أو إدراكه أنها لن تحفظ أسراره أو لأنها تناقشه وتجادله في كل شيء.
ولكن قد يكون الصدق أحيانا سببا في هدم البيوت..حيث تتحدث (ت.ج) 24 عاما عن أن صدقها كان ضدها على حد تعبيرها..فقد اعترفت لخطيبها بعلاقتها السابقة مع زميلها في الجامعة وأنها انتهت تماما، ولكنه لم يتفهم بل غضب وقرر إنهاء خطبتهما وتقول :" لقد أردت أن أكون صادقة معه منذ البداية إلا أن صدقي كان سببا لأن يفسخ خطيبي الخطبة، لأنه لا يحتمل أمرا كهذا".
الكذب في الحياة الزوجية شكل من أشكال الكذب في الحياة العامة
أما الأسباب النفسية للكذب يقول الأخصائي النفسي د.أحمد عبد الله ": إن الكذب في الحياة الزوجية شكل من أشكال الكذب في الحياة بشكل عام، ويكون الهدف منه جلب منفعة أو دفع مضرة، وقد يمارس الزوج أو الزوجة عادته في الكذب لمجرد التلذذ بإظهار الأمور على غير حقيقتها، وشعوره بالتفوق على الطرف الآخر وقدرته على خداعه، والحقيقة أن الكذب جزء من الإنسان وإذا أدركنا ذلك فسنصبح أكثر تسامحًا، والزوج -أو الزوجة- الذي يصارح نفسه بوجود هذه الصفة به يمكنه أن يتخلص منها من خلال محاسبة النفس وتضييق الفجوة وقلة الأقنعة، وبالتالي قلّة الحاجة للكذب، ويجب أن يساعد الزوجان بعضهما في ذلك بأن يعطي كل منهما للآخر الفرصة كاملة لكي يظهر على طبيعته، ويترك النقد المستمر والتعليقات المؤذية ومحاولة التفهم والتعرف والسماح وترك الأنا واستبدال نحن بها وبذل الجهد لتقويم العلاقة.
الزوج هو سبب كذب الزوجة
أما د.نضال الموسوي المتخصصة في علم الاجتماع فترى أن السبب الرئيسي في كذب الزوجة هو الزوج فقد يكون مقيدا لحريتها فيمنعها مثلا من الخروج فتضطر للكذب بأي حُجة المهم أنها تحقق ما تريده، وقد تكذب الزوجة على زوجها عندما يكون زوجها بخيلا فتحتفظ بجزء من المال بحوزتها حتى تستطيع شراء ما تريده من أغراض أو مستلزمات تهمها، أو أنها تكذب خوفا منه، والكذب سلاح ذو حدين للمرأة فقد يكون مُنجيا لها في كثير من الأحيان وقد يكون سبباً في قلب حياتها الزوجية رأساً على عقب فعندما يكتشف الزوج كذبها قد لا يسامحها ويسبب انفصالا بينهما حتى لو استعملت الزوجة الكذب فلا تستعمل سوى الكذب الأبيض وليس الكذب المستمر لأنه يعتبر غشا وخداعا للزوج.
الكذب محرم.. إلا في ثلاث حالات
وفي هذا الصدد يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي إن الأصل في الكذب هو الحرمة، لما وراءه من مضار على الفرد، وعلى الأسرة وعلى المجتمع كله، ولكن الإسلام أباح الخروج عن هذا الأصل؛ لأسباب خاصة وفي حدود معينة ذكرها الحديث النبوي الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أم كلثوم رضي الله عنها قالت: "ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول، يريد به الإصلاح (أي بين الناس)، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها". ويقصد به ما يخص مشاعر كل منها نحو الآخر.
وكذلك يجوز للزوج أو الزوجة من كلام في المبالغة أن لا يخبر أحدهماالآخر عن ماضيه العاطفي, ومن الحكمة والصواب أن لا يبوح الواحد للآخر عن مشاعروأحاسيس يكون الصدق فيها مساً لمشاعر الآخر .
إذا عرفنا الأسباب..عالجنا المشكلة
للكذب دائما له مسببات وعلل وإذا حاولنا معرفة هذه الأسباب نستطيع حل المشكلة،والواقع إن الكذببين الأزواج طبعا يدل دلالة قوية أحيانا, إما على الخوف أو على عدم التوافق النفسي, وهذه ربما أسباب ظاهرة تليها أسباب باطنة لايمكن التعرف عليها إلا من خلال التقرب منهما ومعرفة الدواعي الدافعة لذلك.
وبالنسبة لتأثيرالكذب على الحياة الزوجية ,فبالتأكيد إذا استمرت هذه الظاهرة بين الزوجين ولم يوجد لها حل أو تبين الأسباب لتجاوز المشكلة, فإن استمرارها والتعود عليها يشكل بالنسبة لهمامشكلة حقيقية ربما تشد قساوتها مع عدم الصراحة بينهما,هذا أيضا يخل ربما باستقرارالأسرة فيتستر على أفعاله وأقواله فتنشأ الضغينة, الشيء الذي يسبب انعزال كل منهماعن الأخر وهذه خسارة كبرى بالنسبة للأطفال, الذين يرغبون في العيش بسلام.
أما فيما يخص كيفية التغلب على هذه المشكلة، فيستخلص من كل ماسبق أنه قد تعتري البيوت أحيانا بعض الأمور السلبية كالكذب الذي لايجب أن يؤثر في حياة الزوجين, وأن تكون علاقتهما مدعمة بالصراحة والحب والتفاهممن اجل أن يبقى كيان الأسرة ملتئما، ولابد من أن يسود التسامح والصبرفي علاقات الزوجين من أجل الاستمرارية.