الدكتورة لانا مامكغ لـأقمار:
المعرفة هي عملية التجميل الأمثل للمرأة

أجرت اللقاء رنا العزام
ببشاشتها وبحضورها المميز وثقافتها الواسعة تأسر القلوب، تعرف كيف تجتذب القارئ برشاقة عباراتها وبجميل مقالاتها وهدوء إبداعها، ناهيك عن تاريخا الحافل بالإنجازات، هي الدكتورة المتألقة لانا مامكغ...وقد كان معها اللقاء التالي:
-من هي الدكتورة لانا مامكغ؟
امرأة أردنية، زوجة وأم لولدين، عاشت حياة ضمن المتوقع اتجهت للكتابة في الثمانينات من القرن الماضي، ولا زلت أكتب مقالة أسبوعية في صحيفة الرأي. توجهت في التسعينات لإعداد وتقديم البرامج التلفزيونية، خلال هذه الفترة حصلت على الدكتوراة في اللغة العربية وآدابها وكانت توثيقا لأعمال الروائي بهاء طاهر وهذا من منطلق إعجابي الكبير بأعماله الإبداعية. وأنا الآن أكاديمية وإعلامية في وقت واحد.
- ماهي أبرز الشخصيات التي أثرت في حياة الدكتورة لانا بشكل عميق ؟
كثيرون هم من أثروا في حياتي، بعضهم كان تأثيره بشكل محسوس ملموس، ومنهم من كان تأثيره تأثيرا غير مباشر، أما الذين أثروا في حياتي بشكل واعٍ فهو الأستاذ الدكتور إحسان عباس رحمه الله، وقد كان موضوع رسالتي الماجستير عن أدبه وشعره تحديدا.
أما الأشخاص الذين أثروا بي بشكل غير مباشر فهم جميع من مرّوا في حيلتي، فأي مكالمة تردني ، سواء أكانت نقدا لائقا أم ثناء أم مديحا تؤثر بي، كذلك أتأثر من زملائي في الجامعة، من طلبتي، من الأصدقاء والصديقات فأنا أتأثر وأؤثر بالآخرين.
-الهدوء، الابتسامة، الأسئلة العميقة، والثقافة الواسعة سمات تميز حوارات الدكتورة لانا في برنامج (يوم جديد) الذي يعرض على التلفزيون الأردني، كيف توصلت إلى هذا الخليط العجيب؟
تقديم البرامج هو موقف غير واعٍ، فتكويني قائم على هذا الشكل وإن كنت أخفي وراء هذا الهدوء حالة من الصخب حالة من الأرق، حالة من القلق، لكن مع الدربة والخبرة في الأداء التلفزيوني اكتشفت كيف يكون الإعلامي الناجح والإعلامي غير الانفعالي، لأن هذا هو دوره في أن يقدم القضايا الساخنة بشكل هادئ ومقنع. على الرغم من أن طوفان الفضائيات الحديثة يقوم على مذيع منفعل مذيع غاضب مذيع صاخب، وبالتالي يضطر المشاهد للهدوء والحياد، فهناك تبادل سيء للأدوار بين المتلقي وبين صانع البرنامج التلفزيوني.
مازلت على الطريقة الإعلامية لا أقول التقليدية، لكن هي الأكاديمية، أي كما يجب أن تكون عليه الأمور دون إثارة مفتعلة.
-إلى أي مدرسة إعلامية تنتمي الإعلامية لانا؟
لايوجد هناك مدرسة محددة، فانا أنتمي إلى طبيعتي، فهناك قاعدة ذهبية في الأداء التلفزيوني تقول: "كن على طبيعتك، لكن بشكل مدروس"، لذا يجب على الإعلامي أن يتمتع بالعفوية المدروسة والتلقائية التي تقوم على التحضير الجيد، فالتلقائية ليست ارتجالا بل هي تحضير مطول واستعداد جيد قبل الجلوس أمام الكاميرات، وقد يكون هذا سبب النجاح.
- كيف تستطيعين المواءمة بين العمل الإعلامي وبين العمل الجامعي وما هو الأقرب لقلبك؟
كلا الأمرين يقومان على مبدأ التواصل وفنونه مع الآخرين، إن شخصيتي هي ذاتها في الحالتين، وأحاول دائما أن أكون مؤثرة ومقنعة قدر الإمكان أمام الكاميرا، وهذه المهارة أحملها أيضا إلى داخل المحاضرة، فداخل المحاضرة أنا بعيدة تماما عن الأداء النمطي للأستاذ الجامعي، على الرغم من أنني مقيدة بمنهج محدد، لكن ما يهمني هو أن أعلّم الطالب المحاورة والتفكير والمناقشة وعلى الرفض والنقد، وهذا هو هدفي، فمن المؤسف أن تتحول جامعاتنا إلى مدارس كبيرة تابعة لوزارة التربية والتعليم، فرسالتنا أكبر من التربية ومن التعليم وهي تكوين شخصية الطالب.
- كيف ترين مسيرة المرأة ودورها في الإعلام العربي، وما هي النقاط التي تميز الإعلامية العربية عن غيرها من الإعلاميات؟
تلفتني تلك الإشراقات، في الإعلام العربي، وخاصة فيما يتعلق بمسيرة المرأة. وأنا أرى أن المرأة بخير في الإعلام العربي، ولقد تحدثت مطولا في لقاءات سابقة عن الموجة الجديدة للإعلاميات الجديدات، ولكنني قررت مؤخرا ألّا أرى إلا النصف الممتلئ من الكأس. فنحن نملك في العالم العربي العديد من الإعلاميات الرائعات، وهناك صناعة للذات بطريقة حرفية عالية المستوى، نراها على معظم الفضائيات العربية، وأنا فخورة جدا بهؤلاء الإعلاميات.
ولا أرى ما يميز الإعلامية الغربية عن الإعلامية العربية، وإن كنت أطمح في أن نرقى لأداء المذيعات الأجنبيات اللواتي هن نتاج عملية إعلامية، فإعلامية ناجحة كأوبرا وينفري تملك جيشا من المعدين والمتابعين، بينما تبذل الإعلاميات في الفضائيات العربية وخصوصا في التلفزيون الأردني جهدا فرديا، ولكنها مع ذلك تثبت ذاتها كل يوم.
- انطلاقا من تلك الأسماء الكثيرة للكاتبات العربيات التي تلمع في سماء الأدب العربي، كيف ترينها. ومن يلمع في عينك من تلك الأسماء؟
كوني امرأة فانا لست مؤرقة بالأدب النسوي، ويعجبني الأدب بغض النظر عمن كتبه. ولكن تعجبني غادة السمان فلديها قدرة عجيبة على انتقاء المفردة.
تعجبني كذلك نوال السعداوي رغم أنني قد أعارضها في بعض آرائها، لكن مايعجبني فيها
هو فكر الباحثة وليس حس الأديبة، حيث إن أعمالها الأدبية لم ترق إلى أعمالها البحثية، وسواء كنت معها أم ضدها فأنا لا أملك سوى احترامها.
- يتردد كثيرا مصطلح الأدب النسوي، هل توافقين على الإصرار على دلالة الإحالة إلى نسوية القلم، كصفة بيولوجية لنوعية الكتابة؟
هو تصنيف أسلوبي، وأنا أوافق على هذا المصطلح إذا أخذنا المستوى الأسلوبي، حيث أشعر أن على أن تكون صاحبة أسلوب مختلف، لأنه ينطلق من رؤية مختلفة في قراءة الأحداث والشخصيات الإنسانية، وتملك لغة قد تبدو مختلفة، وهذا جميل لأنه يخلق اختلافا مطلوبا بين كتابة الرجال وكتابة النساء، أما فيما يتعلق بالفكر والمضمون فلا يجوز أن يكون هناك أي تفاوت.
-يقول الأديب الأردني غالب هلسا: " من خلال رواية المرأة شعرت بأنني أتعلم أشياء عن المرأة لم أكن أعرفها من قبل" ما رأيك في هذا القول؟ وهل المرأة هي الأكثر قدرة على تلمس التعبيرات الجوانية لذاتها ولبنات جنسها؟
هذا صحيح، وأضيف على ماتفضل الراحل الأستاذ هلسة، أننا عرفنا أمورا عن المرأة من خلال كتابات الرجل فيها، إذن فهي قدرة الكاتب على التسلل إلى داخل النفس الإنسانية.
- هل يحق للكاتبة أن تطالب بنقد نسوي أيضا ليكون منصفا لها؟
بالطبع لا يجوز، فهذا من محرمات العملية الإبداعية والعملية النقدية، فعندما يصدر النص الأدبي عن صاحبه أنا أؤمن بموت المؤلف، ويصبح النص من حق المتلقي.
- مقالات جميلة وجدت فيها سهلة وراقية وفكرة ثاقبة، كيف يتشكل المقال بين يديك وهل هناك ملهم يشعل ذبالة فكرتك؟
بما أن المقالة أسبوعية، فانا أملك الفرصة كي أفكر بمضمونها طيلة الأسبوع، وتتشكل المقالة في الذهن أولا وتتشكل مفرداتها وبنيتها وربما عنوانها، وكتابتها على الورق هو العملية الأبسط والخطوة الأسهل. وبعض الموضوعات التي تقوم عليها المقالة واقعي وبعضها خيالي بحت، وبعضها خليط من الواقع والخيال. وأستبعد جدا أن تكون أن يكون موضوع المقالة من حياتي الشخصية، ولولا هذا لم أكن لأنجح ككاتبة، لأن المتلقي مخلوق غاية في الذكاء، وإن شعر أن ما يقرأه هو سيرة ذاتية موثقة للكاتب فسيزهد في القراءة.
لذا فأنا أوحي بأنني مررت بهذه التجارب وفعليا لا أكون قد مررت بها، وأستطيع أن أقول أنني أملك القدرة على إدراك الجوامع في النفوس البشرية، فالجوامع مشتركة والهم الإنساني مشترك، ويختلف بالتفاصيل فقط، وأنا أزعم أن لدي القدرة في التقاط هذه التفاصيل.
-ماهي المقالة شعرت الدكتورة لانا أنها بين أسطرها؟
المقالة التي كتبتها في عيد الأم، فقد أرقتني وأرهقتني وتمنيت أن تصل رسالتي للقارئ وأحسب أنها وصلت.
- بصفتك محاضرة في قسم اللغة العربية في جامعة البترا الأردنية، كيف تنظرين لمستقبل اللغة العربية بين يدي جيل هذا القرن؟
إن ما يؤرقني هو ماضي مناهج اللغة العربية، لأنه معتم ومنفر وكأن الذي وضع المناهج كان لديه موقف مسبق وإصرار لتنفير الأجيال من اللغة العربية. فلدى أستاذ اللغة العربية هذه الأيام معركة مركبة، وهو كسر الحاجز النفسي أولا بين الطالب وبين اللغة، وأن يقوم بإعطائه المهارات اللغوية. وفي ذات الوقت لا أنكر أن هناك جهودا حثيثة بذلها الأكاديميون في الجامعات الأردنية، لكن مازلنا بحاجة إلى إعادة تشكيل مناهج اللغة العربية وتوظيف اللغة المحكية اليومية للتدريس في المناهج وإلا فقدان التراث وفقدنا الطال أيضا.
ومن جهة أخرى لا يؤرقني أن يكون هناك طالب موهوب بل ما أريده وأسعى إليه هو قارئ ناقد قارئ مفكر قارئ يتعامل مع النص بلا قدسية، وهذا هو هدفي الأكبر.
- مابين الأدب القديم والأدب الحديث ما الذي يجذبك منهما؟
مبهورة بالأدب الجاهلي، حيث كان يرقى لأبعاد فلسفية عميقة جدا ولم ينصف حتى الآن، وأشعر بأنه العصر الذهبي للشعر، وأحب شعر معظم الشعراء الجاهليين فيعجبني الشنفري في (لامية العرب) وأراها قطعة أدبية ساحرة. كذلك طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى.
أما في الأدب الحديث أحب درويش في بداياته رغم أنني قد فقدت صلتي به عندما أغرق في الرمزية والأسطورة، وكذلك يعجبني شعر أمل دنقل.
- هل لنا أنا نسمع بعض المواقف الطريفة التي حدثت معك خلال مسيرتك الإعلامية والجامعية؟
عندما أشعر بأن يومي بشكل رتيب، أنا أفتعل المواقف الطريفة كي أضحك، وكأنه قرار ذاتي بأن أجعل يومي أكثر متعة وفائدة.
-"بعض الذين يحبوننا... وبدافع من الحرص يمارسون علينا وصاية خانقة، أو يفرضون علينا حصاراً رهيباً قد يدفعنا من حيث لا ندري لخيارات خاطئة، إن لم تكن مؤسفة للغاية!." هذه العبارة اقتطعتها من مقالة لك بعنوان الوهم..
كيف ترين الحب وهل يحق لهم أن يفرضوا قيودهم علينا؟
بعد هذه التجربة الطويلة في الكتابة اكتشفت أن الحب من أكبر الخرافات التي آمنت بها البشرية، فتاريخ صلاحيته محدود جدا، وأصبحت أؤمن بالصداقة أكثر، حيث تملك الصداقة مقومات الديمومة والاستقرار، فالأزواج الذين عاشوا مع بعضهم لفترة طويلة لم يستمروا بدافع الحب وإنما بدافع الصداقة والألفة أو(العشرة)، أما الحب فهو رحلة مربكة ورحلة مشوبة بمنسوب عالٍ من الخيال والواقع فيها قليل، لهذا يزعم جميعنا أنه لم ينجح في قصة حب، لأن بداية الرحلة كانت خاطئة، لذا ستنتهي بشكل خاطئ.
أما الصداقة فهي تقوم على المحبة وليس فيها أنانية، أما الحب فهو قائم على الأنانية وامتلاك الآخر وكتم أنفاسه، لذا أنا أنتصر للصداقة. وعلى الفتاة عند اختيار شريك حياتها أن تقيم ذلك الإنسان كصديق وأنه سيكون أبا جيدا لأبنائها.
- كيف تنظرين إلى منجزات المرأة الأردنية في سبيل إثبات نفسها على جميع الأصعدة؟
يجب أن نتفق أولا على مفهوم تحقيق الذات، فهل نستطيع القول بأن المزارعة في الأغوار لم تحقق ذاتها؟! بالطبع لا، فطالما أنها امرأة منتجة تربي أطفالها تساعد زوجها، ولديها مشروعها الصغير، فهذا هو تحقيق الذات، وليس بالضرورة أن تكون المرأة وزيرة أو إعلامية لتحقق ذاتها.
والمرأة الأردنية بشكل عام تواجه مشكلة في قانون الأحوال الشخصية التي بحاجة لتطوير، ويجب أن تحصن من نداءات التحرر والمساواة الفارغة، حيث نعاني من وعي مبتور فنحن نقوم بتوعية نصف المجتمع ونشحنه ضد النصف الآخر وهذا هو مقتل الرسالة.
-أخيرا، كلمة توجهينها للنساء في العالم العربي من خلال صحيفة أقمار؟
أتمنى من المرأة العربية أولا في ظل هذا الطوفان من الرسائل التي تدعوها لإنشاء خصومة مع ذاتها أن تلقي بها جانبا، وأن تتصالح مع شخصيتها وشكلها ونفسيتها، وأن تتحصن من كل هذا الطوفان الذي يدعو لإعادة تشكيل المرأة من الداخل والخارج، المرأة العربية سواء أكانت في البداية أم في المدينة أم في الريف هي امرأة حرة وامرأة قوية يجب أن تحب ذاتها وأن لا تفقد ثقتها بنفسها، وأن تسعى لمزيد من المعرفة فهذا الأمر سيجعلها أكثر جمالا من الداخل وقوة.
فالمرأة عبارة عن روح وعقل ووجدان، ونحن نعامل المرأة بشكل سافر، يسيء للمرأة والرجل أيضا، ويجب على الرجل العربي أيضا أن يثور على الصورة الجديدة للمرأة العربية.
وأنا آسفة لأن المرأة اختارت الطريق الخاطئ عندما وصلت إلى هذا التقاطع وأتمنى ان تعود جلدها وذاتها.