|
الإجهاض..جريمة أم ضرورة؟
ملاك الغامدي-جدة

رغم أن الإسلام أتى ليكرم المرأة ويحفظها نظراً لما كانت تتعرض له في الجاهلية الأولى من وأد وعدم اهتمام وتحمل أعباء قاهرة حتى أصبحت شريكا رئيسيا للرجل، إلا أن البعض منهن لازلن يقدمن على تعريض أنفسهن للهلاك والوقوع في متاهات الإجهاض عنوة، والذي كان قياس علماء الفقه فيه كمعصية "الوأد الذي حرمه الله شرعاً" إذا كان هذا الجنين مكتملا ونفخ فيه الروح، مؤكدين أنه موازي للقتل العمد، الذي لابد أن يدخل فيه القضاء لقوله تعالى"ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق". لأن للجنين حقوقا إنسانية رغم أنه لم يبصر النور.....تفاصيل أوفى عبر هذا التحقيق عن متاهات الإجهاض.
عذاب الضمير
لم تحتمل نور المشعل الخبر عندما علمت أنها حامل في الشهر الثاني، حيث أخذت تصرخ في العيادة النسائية وهي تبكي وتقول: "لابد أن أتخلص من هذا الجنين"، وعندما عادت إلى المنزل كشفت لزوجها الذي اتفقت معه على الانفصال بعد زواج أثمر في ثلاثة أبناء، وتم الاتفاق بين الطرفين شرط أن يبقوا الأبناء في حضانة الزوج متجاهلين ما تخفيه الأقدار، وأن هناك ضحية أخرى لم ترَ النور تنوي أن تتخلص منها، قائلة لزوجها: "لابد أن تساعدني قبل أن يكبر الجنين وتتفاقم المشكلة"، قام زوجها بتهدئتها وتركها تصارع تلك الأفكار المجنونة التي ساقتها للقضاء على هذه المضغة. أخذت نور تتصل على صديقاتها علها تجد طريقة مجدية للخلاص من هذا الجنين ولم تجد أي داعمة لها في هذا السلوك غير السوي، حتى تمكنت من التعرف على إحدى صديقات زوجة أخيها والتي أنصتت لمشكلتها وأشفقت عليها ووصفت لها هذه التجربة الجبارة في الخلاص من جنينها، وكانت عبارة عن "علبة بيبسي مغلي ومضاف إليه قشر البصل إضافة لأعواد القرنفل"، ولم تفكر في مدى خطورة هذه التجربة، وبدأت تعاني آلام المخاض المبكر وأخذت تفكر في تهورها لماذا أقدمت على فعل هكذا، ومضى أسبوع كامل وهي تتألم دون أن تتخلص من ذلك الجنين وصارحت زوجها فيما قامت به وقام مباشرةً، بالاتصال بأحد المقيمين من الجنسية "الهندية" ليخبره بالأمر، وطلب منه إحضار الكبسولات التي تعمل على إجهاض الجنين وأنه سيعطيه الثمن الذي يريد، واستغل المقيم الموقف وكان المقابل"1500"ريال للبرشام الواحد، وحينما عاد الزوج حاملاً ذلك البرشام أخبر زوجته أن لا تستخدمه الآن حتى يستشير طبيبا خاصا كي يعلموا مدى خطورة هذه الكبسولات، ولكن نور استغلت غياب زوجها وتناولت"16"كبسولة مباشرةً ولم تكن إلا دقائق معدودة حتى فقدت الوعي، ولم يكن بجانبها إلا صغارها الذين أجهشوا بالبكاء دون أن يعرفوا كيف سينقذون والدتهم وخاصة عندما وجدوها تنزف والدماء أغرقت ما ترتديه، بعدها عاد الزوج ووجد حالة زوجته حرجه للغاية وأثناء حمله لها ليتوجه إلى أقرب مشفى أفاقت الزوجة وهي تبكي وتنوح عما قامت فيه تردد" لا أريد الذهاب أتركني أموت بين صغاري" ولا أفاقم ذنبي الذي اقترفته وحاول الزوج دون جدوى ولكن القدرة الإلهية أنقذت الزوجة من ذلك الكرب الذي غيبها عن الوعي "ربما رحمةً لهؤلاء الأبرياء".
تناشد نور بعد التجربة التي مرت بها كل سيدة أن تحمد الله على ما أعطاه وتشكره ولا تغامر وتخاطر بنفسها مهما كان الأمر، حتى لو أن حالتها الصحية لا تحتمل الحمل فعليها أن تصبر وتحتسب "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ". وتقول: :إلى هذه اللحظة أشعر بالندم وأرى بعد كل صلاة وكأن طفلا مولودا يلومني " لماذا تخلصت مني يا أمي؟ ".
ابن غير شرعي
كان الخوف والارتباك واضحاً على الخادمة الاندونيسية التي تعمل لدى إحدى الأسر في مدينة الطائف, حيث تقول أم خالد ع-ع: "لقد لاحظنا الشحوب على وجهها والخمول والكسل من خلال استلقائها المتكرر على في غرفتها الخاصة"، وتشير إنها تعمل لدينا منذ ستة أشهر ولم نلاحظ هذا التغير إلا هذا الشهر، لذا طلبت منها أن ترافقني إلى إحدى المستوصفات القريبة ولكنها ترفض وتقول لا يامدام شوية تعب وسأكون بخير، ومر أسبوع كامل وحالتها تزداد شيئا فشيئا، وحينها تأكدت أنها حامل والدليل جسمها الذي بانت عليه علامات الحمل، وتحت محاولات الاعتراف اعترفت أنها فعلاً حامل والسبب علاقتها غير الشرعية مع السائق الخاص لإحدى أخواتي التي تسكن قريباً منا، وطلبت مني أن أسامحها وأن أساعدها في التخلص من هذا الجنين وقالت لي: أنا لا أريد أن ألد ابنا غير شرعي"، وسايرتها في الكلام فقلت لها: "كيف ستفعلين ذلك؟ " قالت: "سنذهب إلى العنوان التالي وفيه تسكن صديقتي وهي تجري عمليات الإجهاض وبأرخص أجر، أما أنا فلن تأخذ مني شيئا مجاناً لأننا أصدقاء". ولكنني خفت واتفقت مع زوجي أن نرجعها لمكتب الاستقدام وتم ذلك وتخلصنا منها، وحينها أقسمت أن لا يدخل منزلي خادمة خاصة بعد الآن.
جناية كاملة
وفي هذا السياق يقول فضيلة الشيخ والداعية عوض القرني عن رأى الدين والشرع في قضية الإجهاض: " إن للتكاثر وحفظ النسب حقوقا لا يجوز أن تنتهك، لا من قبل الأم ولا الأب، إلا أن هناك حالات خاصة من منظور شرعي يجوز فيها الإجهاض، وقبل اليوم الأربعين يكون الجنين نطفة، وقد اجتمع العلماء أنه إذا كان في بقائه ضررا، يجوز إجهاضه أما إذا نفخت فيه الروح، أصبح الإجهاض جناية كاملة ولا يجوز إسقاطه في أي حال من الأحوال، إلا إذا أجمع جمع من الأطباء الثقات أنه سيؤدي إلى وفاة أمه يقينا عندها يجوز إسقاطه، وغير ذلك لايجوز وهذه "فتوة عامة". وكل حالة ينظر فيها بصورة خاصة تؤخذ فيها تقارير طبية ويفتى فيها. ولابد أن تكون الفتوى من جهة معتبرة. ويشير فضيلة الشيخ حول من أقدمت على فعل ذلك الإسقاط قبل اليوم الأربعين وكان الغرض من ذلك الإسقاط تحديداً للنسل ولم يكن هناك أي خطورة تستدعي ذلك، فعليها أن تكثر من الاستغفار وتتوب توبة نصوحة وألا تقدم على فعل ذلك الأمر.
عطية الخالق
الإعلامية في قناة الإخبارية مها حلواني تقول في هذا الصدد : "لا أرى أن هناك ضرورة تستدعى من الأم أن تقدم علة الإجهاض، أما عن تنظيم النسل لابد أن يكون هناك تخطيط لتلك المسألة من البداية. وتشير حلواني أن الله سبحانه إذا أكرم الإنسان ووهبه وأعطاه ولم يأخذ منه، فلم لا يشكره ويحمده على تلك الهبة الربانية، أما إذا كانت هناك أسباب قاهرة تستدعي الإجهاض فبإمكان الأم أن تلجأ لطبيب ويحدد لها ما يجب فعله وعليها ألا تتصرف من تلقاء نفسها كي لا يستغلها أصحاب النفوس الضعيفة واللذين لا يفقهون شيئاً في الطب، كأصحاب العيادات غير المرخصة أو بعض الوافدات اللاتي يدعين أنهن يفقهن في ذلك الأمر، ويغامرن في دفعهن إلى الهلاك مقابل مبالغ طائلة" ، وتناشد الحلواني الجهات المختصة أن تكثف الرقابة على هذه الفئة التي تستغل ضعف النساء مقابل الغرض المادي، فهن يقتلن أرواح أيضاً ولابد من الإسراع في القبض عليهم.خأأااااا
متاهات الإجهاض
وتوافقها الرأي الأديبة والروائية سحر رجب قائلة: "إذا كان هناك ضرورة تستدعي هذا الإسقاط فلا أظن أن هناك خلافا يجمع في حرمته، ولكن أنصح في اللجوء للطبيب الشرعي للإجهاض لما في ذلك من خطورة على صحة الأم، لأنها عملية تكون في الغالب أخطر من الولادة"، وتشير رجب إلى أنه إذا كان هناك حالات استثنائية كأن يكون حمل الفتاة لا قدر الله بطريقة غير مشروعة، ففي هذه الحالة يجب توعية الفتاة قبل أن تقع في ذلك المحظور، وإن وقعت في ذلك يجب أن لا تتصرف الأم أو الفتاة بطريقة يمكن أن تفاقم المشكلة، وتنصح رجب بالتوجه للطبيب المختص. وحول استقطاب أصحاب النفوس الضعيف واستغلال السيدات في ذلك الأمر تقول: "يجب تكثيف الرقابة للإطاحة بأولئك الناس، ونحن كمجتمع واعٍ نعي مدى خطورة التعامل معهم، فهم لا يبالون بالخطر الذي قد يلحق بصحة الأم وجنينها وأحياناً تتضاعف الجريمة ويصبح القتل العمد مرتين وليس مرة. "
الرأي القانوني
يقول المستشار القانوني والمحامي محمد عبد الله السالمي : "هذه القضية تعتبر قضية شرع أكثر منها قضية قانونية، رغم أننا في المملكة العربية السعودية لا يوجد هناك فرق بين الرأي الشرعي والقانوني، فهذه دولة تحكم بشرع الله وسنة نبيه، وأرى أن هذه قضية كأي قضية إنسانية يتحملها القانون، وهي جناية كاملة بإجماع الفقهاء والعلماء في حالة إكماله "أربعة أشهر"وقد نفخ فيه الروح فهو "آدمي "وله حرمة القتل العمد كأي شخص، لقوله تعالى"ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق"،ولم يحدد سبحانه وتعالى إما إذا كان في بطن أمه أم لا وهذا في حالة الإقدام على هذه العملية دون أن يكون هناك خطورة أدنى خطورة للام أو الجنين . ويشير السالمي أنه لم تمر عليه قضية في هذا الخصوص، ويؤكد أنه لايمانع أن يتولى قضية كهذه لأنها تحفظ حقوق الجنين.
"ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي"هذا ما بدأت فيه عضو الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان ثريا عابد شيخ وتقول : "لا يجوز لهذه النفس البريئة أن تُهتك حقوقها، وهي جريمة واضحة مهما كانت الأسباب سواء هذا الجنين شرعي أم لا فهو "نفس". فيقول الله سبحانه وتعالى" من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ....الآية "المائدة"، وتشير رغم أن هذه القضية لم أسمع أنها موجودة في جمعية حقوق الإنسان ولكني أطالب بها لأنها قضية هامة ومن حق هذا الجنين الذي قد نفخة فيه الروح أن يكون له حقوق مثله مثل أي إنسان، وجريمة إسقاطه يعاقب فيها كل من له اليد في الخلاص منه دون ذنب اقترفه هذا الجنين الذي لم يبصر النور". وتضيف: "أرى أنه لابد فتح ملف لهذا الجريمة المقصودة، وأناشد تكثيف التوعية من كافة الجهات لمدى أهمية وخطورة هذه القضية التي يتهاون بها كثير من الناس للأسف".
|